محمد جمال الدين القاسمي

25

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

تنبيه : قال الرازي في هذه الآية : اعلم أن الاستدلال على وجود الصانع بالخلق أولا ، ثم بالهداية ثانيا ، عادة مطردة في القرآن . فحكى تعالى عن الخليل عليه السلام أنه ذكر ذلك فقال : الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [ الشعراء : 78 ] ، وعن موسى عليه السلام مثله فقال : رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [ طه : 50 ] ، وأمر محمدا صلى اللّه عليه وسلم بذلك فقال : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ، الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى [ الأعلى : 1 - 3 ] ، وهو في الحقيقة دليل شريف ، لأن الإنسان له جسد وروح ، فالاستدلال على وجود الصانع بأحوال الجسد هو الخلق ، والاستدلال بأحوال الروح هو الهداية فههنا أيضا ، لما ذكر دليل الخلق في الآية الأولى وهو قوله : أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [ النمل : 64 ] ، أتبعه بدليل الهداية في هذه الآية . والمقصود من خلق الجسد حصول الهداية للروح ، كما قال تعالى : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ النحل : 78 ] ، وهذا كان كالتصريح بأنه تعالى إنما خلق الجسد ، وإنما أعطى الحواس ، لتكون آلة في اكتساب المعارف والعلوم . وأيضا ، فالأحوال الجسدية خسيسة يرجع حاصلها إلى الالتذاذ بذوق شيء من الطعوم ، أو لمس شيء من الكيفيات الملموسة . أما الأحوال الروحانية ، والمعارف الإلهية . فإنها كمالات باقية أبد الآباد ، مصونة عن الكون والفساد . فعلمنا أن الخلق تبع للهداية ، والمقصود الأشرف الأعلى حصول الهداية . ولاضطراب العقول وتشعب الأفكار كانت الهداية وإدراك الحق بإعانته تعالى وحده . والهداية إما أن تكون عبارة عن الدعوة إلى الحق ، أو عن تحصيل معرفتها . وعلى كل فقد بينا أنها أشرف المراتب ، وأعلى السعادات ، وأنها ليست إلا منه تعالى وأما الأصنام فإنها جمادات لا تأثير لها في الدعوة إلى الحق ، ولا في الإرشاد إلى الصدق ، فثبت أنه تعالى هو الموصل إلى جميع الخيرات في الدنيا والآخرة ، والمرشد إلى كل الكمالات في النفس والجسد ، وأن الأصنام لا تأثير لها في شيء من ذلك ، وإذا كان كذلك ، كانت عبادتها جهلا محضا ، وسفها صرفا . فهذا حاصل الكلام في هذا الاستدلال . ثم بين تعالى حقيّة هذا الوحي المنزل ، رجوعا إلى ما افتتحت به السورة من صدق نبوة المنزل عليه ، ودلائلها في آيات اللّه الكونية ، والمنبئة عن عظيم قدرته ، وجليل عنايته بهداية بريته ، فقال تعالى :